ابن قاضي شهبة
516
مناقب الإمام الشافعي وطبقات أصحابه
وقد سمعته يقول في أثناء كلامه : كنت علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة ، وطالعت في نفسي مائة مجلّدة ، وكان يصل الليل بالنهار في التحصيل حتى فرغ منه ، ويبكّر كل يوم قبل الاشتغال يدرّس نفسه ، إلى مجلس الأستاذ أبي عبد اللّه الخبازيّ يقرأ عليه القرآن ، ويقتبس من كلّ نوع من العلوم ، ما يكتبه مع مواظبته على التدريس . وينفق ما ورثه وما كان له من الدخل على أحوال المتفقهة « 1 » . ويجهد في ذلك ، ويواظب على المناظرة ، إلى أن ظهر التعصّب بين الفريقين ، واضطربت الأحوال والأمور ، فاضطرّ إلى السفر والخروج عن البلدة . فخرج مع المشايخ إلى المعسكر ، وخرج إلى بغداد ، يطوف مع المعسكر ، ويلتقي الأكابر من العلماء ، ويدارسهم ويناظرهم حتى تهذب في النظر وشاع ذكره . ثم خرج إلى الحجاز وجاور بمكة أربع سنين ، يدرّس ويفتي « 2 » ويجمع طرق المذهب ، ويقبل على التحصيل ، إلى أن اتّفق رجوعه بعد مضي نوبة التّعصّب فعاد إلى نيسابور « 3 » . وقد ظهرت نوبة ولاية السلطان ألب أرسلان ، وتزين وجه الملك إشارة نظام الملك ، واستقرت أمور الفريقين ، وانقطع التعصب ، فعاد إلى التدريس ، وكان بالغا في العلم نهايته ، مستجمعا أسبابه ، فبنيت المدرسة الميمونة النظامية ، وأقعد للتدريس فيها ، واستقامت أمور الطلبة ، وبقي على ذلك قريبا من ثلاثين سنة ، غير مزاحم ولا مدافع ، فسلّم له المحراب ، والمنبر والخطابة والتدريس ، ومجلس التذكير يوم الجمعة ، والمناظرة . وهجرت له المجالس ، وانغمر غيره من الفقهاء بعلمه وتسلّطه ، وكسدت الأسواق في جنبه ، ونفق سوق المحققين من خواصه وتلامذته « 4 » . وظهرت تصانيفه ، وحضر درسه الأكابر ، والجمّ العظيم من الطلبة ، وكان يقعد بين يديه كل يوم نحو من ثلاثمائة رجل ، من الأئمة ومن الطلبة ، وتخرج به جماعة من الأئمة والفحول . وأولاد الصّدور ، حتى بلغوا محلّ التدريس في زمانه .
--> ( 1 ) السبكي : طبقات 1 / 175 ، البداية والنهاية 12 / 128 . ( 2 ) نفسه 1 / 176 ، مفتاح السعادة 1 / 440 و 2 / 188 . ( 3 ) ابن الجوزي : المنتظم 16 / 245 . ( 4 ) السبكي : طبقات الشافعية الكبرى 1 / 176 ، ابن الجوزي : المنتظم 16 / 245 .